في قلب مدينة مكناس، وبين تاريخها العريق وإشعاعها العلمي، تواصل المدرسة الوطنية للفلاحة ترسيخ مكانتها كواحدة من أعرق وأهم مؤسسات التعليم العالي بالمغرب، وكمشتل حقيقي لإعداد النخب القادرة على مواجهة التحديات المتجددة التي يعرفها القطاع الفلاحي والغابوي والقروي. ليست المدرسة الوطنية للفلاحة مجرد فضاء أكاديمي لتلقين المعارف، بل هي تجربة إنسانية وعلمية متكاملة، تصنع المهندس قبل أن تخرّج حامل الشهادة، وتغرس قيم الالتزام والمسؤولية قبل نقل المهارات التقنية.
المدرسة الوطنية للفلاحة: أكثر من مؤسسة تعليمية
منذ تأسيسها، اضطلعت المدرسة الوطنية للفلاحة بمكناس بدور محوري في تكوين أطر عليا متخصصة، ساهمت ولا تزال في صياغة ملامح الفلاحة المغربية الحديثة. فقد كانت هذه المؤسسة، على مدى عقود، رافعة أساسية لتنزيل السياسات العمومية الوطنية في المجال الفلاحي، من خلال ربط التكوين الأكاديمي بالواقع الميداني، وربط البحث العلمي بحاجيات الفلاح والمقاولة والجهة.
وتتميز المدرسة الوطنية للفلاحة بنموذج بيداغوجي فريد، يقوم على التكوين المتعدد التخصصات، حيث يلتقي العلم النظري بالتطبيق العملي، داخل الحقول التجريبية، والمختبرات، والمشاريع الميدانية. هذا النموذج لا يهدف فقط إلى نقل المعرفة، بل إلى بناء شخصية المهندس القادر على التحليل، واتخاذ القرار، والتفاعل مع الإكراهات البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
حفل التخرج: لحظة تتويج ومسؤولية
يشكل حفل تسليم الشواهد لخريجي المدرسة الوطنية للفلاحة لحظة رمزية بامتياز، تختزل سنوات من الجهد والاجتهاد، وتفتح في الآن نفسه أبواب المسؤولية والانخراط العملي في خدمة الوطن. ففي حفل تخرج فوج 2025، الذي نُظم بمركب المدرسة بمكناس، التقت مشاعر الفخر بالإنجاز مع وعي عميق بحجم التحديات المنتظرة.
وقد ترأس هذا الحفل وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، في مناسبة جمعت بين ثلاثة مؤسسات مرجعية: المدرسة الوطنية للفلاحة، ومعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، والمدرسة الوطنية الغابوية للمهندسين**. هذا اللقاء لم يكن بروتوكولياً فقط، بل جسّد رؤية واضحة قوامها التكامل المؤسساتي وتوحيد الجهود لخدمة الاستراتيجيات الوطنية الكبرى.
أرقام تعكس حجم التأثير
يضم فوج 2025 ما مجموعه 535 خريجاً من المؤسسات الثلاث، من بينهم 123 خريجا من المدرسة الوطنية للفلاحة، وهو رقم يعكس الطاقة التكوينية المستمرة لهذه المؤسسة. كما يبرز البعد الدولي للمدرسة، من خلال استقبالها لطلبة أجانب، خاصة من بلدان إفريقية شقيقة، ما يجعلها فضاءً للتبادل الثقافي والعلمي، وجسراً للتعاون جنوب–جنوب.
وإلى حدود اليوم، ساهمت المدرسة الوطنية للفلاحة، إلى جانب المؤسستين الشقيقتين، في تكوين أزيد من 23 ألف مهندس وإطار عالٍ، يشغلون اليوم مواقع استراتيجية داخل الإدارة، والمقاولات، ومراكز البحث، والمنظمات الدولية. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن حصيلة كمية، بل عن تراكم نوعي لرأسمال بشري عالي التأهيل.
المدرسة الوطنية للفلاحة في صلب الاستراتيجيات الوطنية
لم تكن المدرسة الوطنية للفلاحة يوما بعيدة عن التحولات الكبرى التي عرفها القطاع الفلاحي بالمغرب. فقد واكبت، منذ بداياتها، مختلف الاستراتيجيات الوطنية، من مخطط المغرب الأخضر، إلى استراتيجية الجيل الأخضر، وصولاً إلى برامج غابات المغرب ومخطط أليوتيس. وفي كل مرحلة، ساهم خريجو المدرسة في تنزيل هذه السياسات على أرض الواقع، سواء عبر التأطير التقني، أو التخطيط، أو البحث، أو الابتكار.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرؤية التي تحملها استراتيجية الجيل الأخضر، والتي تروم تكوين 150 ألف شاب وشابة في المجال الفلاحي في أفق 2030، من بينهم 10 آلاف في سلك التعليم العالي الفلاحي. وتجد هذه الرؤية في المدرسة الوطنية للفلاحة ركيزة أساسية، بحكم خبرتها، وبنيتها، وكفاءاتها البشرية.
البحث العلمي والابتكار: رهان المستقبل
إدراكاً منها بأن فلاحة الغد لا يمكن أن تُبنى دون بحث علمي قوي وابتكار متواصل، جعلت المدرسة الوطنية للفلاحة من البحث التطبيقي محوراً أساسياً في استراتيجيتها. ويتجلى ذلك من خلال الشراكات التي تربطها بعدد من المؤسسات الوطنية والدولية، وعلى رأسها المعهد الوطني للبحث الزراعي.
وقد توج حفل التخرج الأخير بتوقيع اتفاقية تهم تنفيذ مشاريع ممولة في إطار آلية التمويل التنافسية للبحث والتنمية والإرشاد، إضافة إلى منح دراسية لفائدة طلبة الدكتوراه. وهي مبادرة تعكس وعياً جماعياً بأهمية ربط التكوين بالبحث، وربط البحث بحاجيات التنمية الفلاحية.
الإنسان في صلب المشروع
ما يميز المدرسة الوطنية للفلاحة، إلى جانب جودة التكوين، هو بعدها الإنساني. فداخل أسوارها، لا يتعلم الطلبة فقط علوم النبات والتربة والاقتصاد القروي، بل يتعلمون قيم العمل الجماعي، والانضباط، والانفتاح، وخدمة الصالح العام. ولهذا، كان تكريم المديرين السابقين وعدد من الخريجين القدامى خلال حفل التخرج رسالة وفاء، تؤكد أن هذه المؤسسة تُبنى بتراكم الأجيال، وبعطاء رجال ونساء آمنوا برسالتها.
المدرسة الوطنية للفلاحة: رهان مستمر على الغد
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تقف المدرسة الوطنية للفلاحة أمام تحديات جديدة: التغيرات المناخية، ندرة الموارد المائية، التحولات التكنولوجية، ومتطلبات الأمن الغذائي. غير أن تاريخها، ورصيدها البشري، وقدرتها على التجدد، تجعلها في موقع قوي لمواصلة لعب دورها الريادي.
إن المدرسة الوطنية للفلاحة ليست مجرد مؤسسة تخرج مهندسين، بل هي فضاء لصناعة الرؤية، ومختبر للأفكار، ورافعة للتنمية المستدامة. وكل فوج جديد يغادر مدرجاتها، يحمل معه مسؤولية ثقيلة، ولكن أيضاً أملاً كبيراً في فلاحة مغربية أكثر ابتكارا، وأكثر عدلاً، وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
بهذا المعنى، يظل اسم المدرسة الوطنية للفلاحة مرتبطا بالتميز، وبالالتزام، وبالإيمان العميق بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأضمن لبناء مغرب قوي، أخضر، ومستدام.





