مبادرة المثمر

مبادرة المثمر… حين تقترب الزراعة من الإنسان وتفتح أبواب المعرفة للجميع

مبادرة المثمر
- Advertisement -

في قرية بريكشة بإقليم وزان، وبين المساحات الخضراء التي تحتضن معهد التكوين في مهن تربية الماشية ببلوطه، اجتمع طلبة باحثون عن المعرفة وفلاحون يبحثون عن حلول واقعية، وخبراء ينقلون سنوات من التجربة على الأرض. المشهد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يحمل في جوهره تحولاً عميقاً يعيشه القطاع الفلاحي في المغرب خلال السنوات الأخيرة. لم يكن هذا اللقاء مجرد دورة تكوينية حول الزراعات العلفية، بل كان محطة جديدة من محطات مبادرة المثمر التي اختارت نهج القرب، والعمل جنباً إلى جنب مع الإنسان الذي يحرث الأرض ويرعى القطيع ويحمل على كتفه مسؤولية الأمن الغذائي.

منذ بداية اليوم، ظهر أن شيئاً استثنائياً يحدث. الطلبة الذين اعتادوا الجلوس في الأقسام للتعلم النظري وجدوا أنفسهم أمام خبراء يجيبون عن أسئلتهم بلغة بسيطة ومباشرة. الفلاحون الذين طالما واجهوا تحديات الأعلاف وتكاليف التغذية وجدوا فرصة لطرح مشاكلهم وطلب النصيحة العلمية المناسبة. أما الفريق المؤطر، فكان يجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية، ما جعل التكوين مساحة مشتركة لتبادل الخبرات بدل أن يكون مجرد عرض تقني.

مبادرة المثمر… مسار يمتد لسنوات

منذ أكثر من ست سنوات، بدأت مبادرة المثمر رحلتها في دعم الفلاح المغربي عبر مواكبة متواصلة في مختلف السلاسل الإنتاجية: الحبوب، القطاني، الخضروات، الأشجار المثمرة، ثم لاحقاً الإنتاج الحيواني. لم تأت هذه الجهود صدفة، بل كانت جزءاً من رؤية تقوم على جعل الفلاح في قلب العملية التنموية، وتزويده بالمعرفة والتقنيات الحديثة التي تساعده على الارتقاء بإنتاجه وجودة عمله.

وتحرص المبادرة على أن يكون دورها مكملاً، لا بديلاً عن خبرة الفلاح. لذلك تعتمد مقاربة القرب، حيث يتنقل الخبراء والمرافقون التقنيون إلى الحقول والمزارع، يجلسون مع الفلاحين، يستمعون إليهم، ويتعرفون على التحديات الخاصة بكل منطقة. هذا الأسلوب العملي جعل المبادرة اليوم مرجعاً لدى عدد كبير من الكسابة والفلاحين في مختلف جهات المغرب.

لقاء بريكشة… المعرفة حين تصبح جسراً بين الأكاديمية والواقع

الدورة التكوينية التي احتضنها معهد تربية الماشية لم تكن مجرد درس في الزراعات العلفية. كانت تجربة تعبّر عن فكرة جوهرية: التكوين الفلاحي الحقيقي يبدأ حين يلتقي الطالب بالفلاح، والخبرة بالأرض، والعلم بالحاجة اليومية.

في بداية اللقاء، قدمت المهندسة الزراعية شدى بوميدل لمحة عن أهداف التكوين، مؤكدة أن هذا العمل ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة ضمن سلسلة طويلة من المبادرات التي تقودها مبادرة المثمر في مجال الإنتاج الحيواني. بشغف واضح، تحدثت شدى عن رغبة الفريق في تقوية المعارف العلمية لدى الطلبة، وتمكين الكسابة من التقنيات الحديثة التي تساعدهم على تحسين مردودية الأعلاف، سواء عبر اختيار الأنواع المناسبة، أو تحسين طرق التخزين والحفظ، أو الاستفادة من الإمكانات الغذائية للنباتات العلفية.

ورغم أن اللقاء كان تقنياً في جوهره، إلا أنه حمل بعداً إنسانياً قوياً. الفلاحون تحدثوا عن الصعوبات اليومية: غلاء الأعلاف، تقلّبات المناخ، موجات الجفاف، وصعوبة إيجاد بدائل مستدامة. وفي المقابل، قدم الطلبة أسئلتهم الباحثة عن الفهم الكامل لسلسلة الإنتاج الحيواني، وعن كيفية تحويل المعرفة النظرية إلى مهارات عملية.

صوت الخبرة: حين يتحدث العلم بلغة بسيطة

من أبرز اللحظات كان تدخل الأستاذ عبد الله عربة، الخبير ببرنامج المثمر وأستاذ باحث بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة. قدم عرضاً متوازناً يجمع بين الدقة العلمية والبساطة في الشرح. تحدث عن أهمية الزراعات العلفية باعتبارها أساس التغذية السليمة للماشية، وشرح طريقة الاستفادة من النباتات عبر السيلاج والتجفيف، مع تقديم أمثلة واقعية مستمدة من تجارب حقول مختلفة.

أشار الأستاذ إلى أن اختيار نوع العلف لا يجب أن يكون عشوائياً، بل يتطلب معرفة دقيقة بخصائص النبات، وقدرته على التأقلم مع المناخ المحلي، وكيفية تخزينه دون فقدان قيمته الغذائية. ولفت الانتباه إلى أن بعض الأعلاف المستوردة لا تتلاءم مع الظروف المناخية للمنطقة، ما يستدعي التفكير في بدائل محلية أكثر قدرة على تحمل الجفاف وضعف التربة.

كان الحضور منصتاً، فكل كلمة جاءت مرتبطة بما يعيشه الفلاح يومياً، وكل تقنية قدمت باعتبارها حلاً عملياً وليس مجرد نظرية.

شهادات الطلبة… حين يتحول التكوين إلى أفق جديد

الطالبة بسمة الخلفي شاركت تجربتها بصدق كبير. تحدثت عن الفراغ المعرفي الذي كان لديها في بعض الجوانب قبل هذا التكوين، وعن كيف أن حضور الخبير فتح لها أبواباً جديدة لفهم النباتات العلفية وأدوارها. لم تتردد في توجيه رسالة للفتيات لدخول هذا المجال، معتبرة أن الفلاحة ليست حكراً على الرجال، وأن فرص التعلم والنجاح فيه متاحة للجميع.

أما الطالب عبد النافع عداهية، فقد قدّم شهادة مؤثرة حول امتنانه للمعهد وللبرنامج الذي أتاح له التعرف على نباتات لم يكن يعرفها من قبل، وفهم أسباب عدم نجاح بعض الزراعات المستوردة في المغرب. تحدث بحماس عن التغير الذي يعيشه القطاع الفلاحي وعن أهمية أن ينخرط الشباب في هذا المجال الواعد.

كانت الشهادات طبيعية، صادقة، وتحمل ذلك الشغف الذي يجعل من التكوين تجربة حياة، لا مجرد ساعات دراسة.

مبادرة المثمر… أثر يتجاوز التكوين

لا يمكن اختزال دور مبادرة المثمر في تقديم تكوين أو مواكبة تقنية. فالأثر الحقيقي يظهر حين تتغير علاقة الفلاح بالمعلومة، وحين يشعر الطالب أن مستقبله المهني لا يبدأ بالمقرر الدراسي بل بالتجربة الميدانية، وحين يدرك الفلاح أن العلم ليس بعيداً عنه، بل قريب منه، يجلس بجانبه، ويشرح له، ويبحث معه عن حلول.

إن المبادرة اليوم تشكل جسراً بين الأجيال: جيل الخبرة الذي عاش عقوداً في الميدان، وجيل الشباب الباحث عن المعنى والمهارة، وجيل الفلاحين الذين يحتاجون إلى دعم حقيقي لمواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية المتزايدة.

وفي لقاء بريكشة، تجسّد كل هذا بوضوح. فقد خرج الجميع بشيء جديد: معرفة، أو مهارة، أو فكرة، أو حتى شعور بالانتماء لمجتمع فلاحي كبير يعمل من أجل هدف واحد… بناء فلاحـة مغربية مرنة، مستدامة، وقادرة على مواجهة المستقبل بثقة.

خلاصة… حين يصبح التكوين فعلاً للتنمية

ما حدث في معهد تربية الماشية ببلوطه لم يكن مجرد نشاط عابر، بل نموذج لما يجب أن تكون عليه منظومة التكوين الفلاحي: مزيج بين المعرفة النظرية والتجربة الميدانية، بين المؤسسة التعليمية والفاعل الفلاحي، بين الطالب والخبير، وبين الإنسان والأرض.

وفي قلب كل هذه التفاصيل، كانت مبادرة المثمر حاضرة بروحها وأهدافها ومقاربة القرب التي تميزها، مؤكدة مرة أخرى أن التنمية الفلاحية ليست أرقاماً وخططاً فقط، بل هي قبل كل شيء علاقة إنسانية مبنية على الثقة، وعلى الرغبة المشتركة في التقدم.

إن ما تحقق في هذا اللقاء يمثل خطوة جديدة في مسار طويل، لكنه يبعث رسالة واضحة: حين تتلاقى الجهود، وحين يستثمر العلم في خدمة الإنسان، يصبح المستقبل أكثر قابلية للبناء، وتصبح الفلاحة المغربية أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر قرباً من من يحملون همّها كل يوم.

- Advertisement -
كلمات دلالية
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *