في أجواء مفعمة بالحركية والتفاعل، احتضنت مدينة وزان ما بين 24 و28 دجنبر 2025 فعاليات الدورة الثالثة من معرض الزيتون وزان، الحدث الذي أصبح مع مرور الدورات موعداً وطنياً بارزاً يجمع مختلف الفاعلين في سلسلة الزيتون، من فلاحين وتعاونيات ومهنيين وباحثين ومؤسسات عمومية وخاصة.
هذا الحدث لم يكن مجرد معرض تجاري أو فضاء لعرض المنتجات، بل شكل منصة حقيقية للحوار، وتبادل الخبرات، واستشراف مستقبل إحدى أهم السلاسل الفلاحية بالمغرب.
افتتاح رسمي يحمل دلالات قوية
أشرف وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، على الافتتاح الرسمي للمعرض، في خطوة تعكس الأهمية التي توليها الدولة لسلسلة الزيتون ودورها في الاقتصاد الفلاحي الوطني.
وجاء تنظيم هذه الدورة تحت شعار: “سلسلة الزيتون: رافعة للتنمية المستدامة”، وهو شعار لم يكن اختياره اعتباطيا، بل يلخص رؤية استراتيجية واضحة تعتبر الزيتون ليس فقط محصولاً فلاحياً، وإنما ركيزة تنموية متكاملة تمس الأمن الغذائي، والدخل القروي، والحفاظ على الموارد الطبيعية.
معرض الزيتون وزان… أكثر من فضاء للعرض
منذ الساعات الأولى للافتتاح، بدت ملامح الإقبال الكبير على أروقة المعرض، حيث شارك أزيد من 100 عارض يمثلون تعاونيات فلاحية من مختلف جهات المملكة، وشركات متخصصة في معدات عصر الزيتون، ومقاولات ناشئة، إلى جانب مؤسسات البحث والابتكار.
وقد توافد آلاف الزوار من مهنيين ومستثمرين وطلبة وباحثين، فضلاً عن ساكنة المنطقة، في مشهد يعكس المكانة الخاصة التي يحتلها الزيتون في الثقافة والاقتصاد المحليين.
ما يميز معرض الزيتون وزان هو كونه فضاءً مفتوحا يلتقي فيه المنتج بالمستهلك، والباحث بالفلاح، وصانع القرار بالمستثمر. هذا التلاقي يخلق دينامية حقيقية تساهم في تثمين المنتوج الوطني، وتحسين جودته، وتطوير آليات تسويقه، سواء داخل السوق الوطنية أو على الصعيد الدولي.
سلسلة الزيتون: أرقام تعكس الوزن الاستراتيجي
تشكل سلسلة الزيتون إحدى الدعائم الأساسية للفلاحة المغربية، إذ تمثل حوالي 65% من مجموع زراعات الأشجار المثمرة. وتغطي المساحة المغروسة بأشجار الزيتون ما يقارب 1,2 مليون هكتار، مع إنتاج وطني يقدر خلال سنة 2025 بنحو مليوني طن من الزيتون.
هذه الأرقام ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة سنوات من العمل المتواصل، منذ مخطط المغرب الأخضر وصولا إلى استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030، التي جعلت من الفلاح، الصغير قبل الكبير، محوراً أساسياً للتنمية.
وفي أفق سنة 2030، تطمح الاستراتيجية إلى الرفع من المساحة المغروسة إلى 1,4 مليون هكتار، وتحقيق إنتاج يصل إلى 3,5 مليون طن، مع ما يحمله ذلك من فرص لخلق القيمة المضافة، وتحسين الدخل، وتثبيت الساكنة في المجالات القروية.
أيام علمية… المعرفة في خدمة الميدان
لم يقتصر المعرض على الجانب التجاري أو الاحتفالي، بل تميز بتنظيم أيام علمية يومي 25 و26 دجنبر، شارك فيها خبراء وطنيون ودوليون.
وقد تناولت هذه اللقاءات مواضيع تهم التقنيات الحديثة للإنتاج المستدام، وجودة زيت الزيتون، وتثمين المنتجات الثانوية لعصر الزيتون، إضافة إلى سبل تكيف السلسلة مع التغيرات المناخية والإجهاد المائي.
هذه المقاربة العلمية تعكس وعيا متزايدا بأن مستقبل الفلاحة لا يمكن أن يبنى دون ربط البحث العلمي بالواقع الميداني، ودون تمكين الفلاح من أدوات المعرفة والتكوين المستمر.
تتويج الجودة والتميز
في لحظة مفعمة بالاعتراف والتقدير، شهد معرض الزيتون وزان حفل تسليم جوائز المسابقة الجهوية لزيت الزيتون البكر الممتاز. وقد تم تتويج عدد من المنتجين والتعاونيات التي تميزت بجودة منتوجها واحترامها للمعايير المعتمدة.
هذا التتويج لا يحمل فقط بعداً رمزياً، بل يشكل حافزاً قوياً لباقي الفاعلين للارتقاء بالجودة، وتحسين طرق الإنتاج والتخزين، وتعزيز ثقة المستهلك في زيت الزيتون المغربي.
كما تم بالمناسبة تسليم كؤوس وشهادات تقديرية لأعضاء لجان التحكيم الوطنية والجهوية، اعترافا بدورهم في إنجاح هذه التظاهرة وضمان مصداقية نتائجها.
شراكات من أجل المستقبل
عرفت هذه الدورة أيضا توقيع اتفاقيات شراكة هامة، تهدف إلى دعم البحث العلمي والابتكار والمواكبة التقنية على المستوى الجهوي.
وشملت هذه الاتفاقيات تعاونا بين المديرية الجهوية للفلاحة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة والمدرسة الوطنية للفلاحة بمكناس، إضافة إلى شراكة تجمع المعهد الوطني للبحث الزراعي بالهيئة البيمهنية المغربية للزيتون.
هذه الشراكات تعكس توجها واضحا نحو تعزيز التكامل بين التكوين والبحث والممارسة الميدانية، بما يخدم تطوير سلسلة الزيتون بشكل مستدام.
مشاريع هيكلية تعزز التنمية القروية
على هامش المعرض، قام وزير الفلاحة بزيارات ميدانية لإطلاق وتتبع مشاريع هيكلية كبرى في إطار استراتيجية الجيل الأخضر.
من أبرز هذه المشاريع، مشروع التهيئة الهيدروفلاحية للمدار السقوي لجماعتي أسجن ومزفروان، على مساحة 1.500 هكتار، باستثمار يناهز 230 مليون درهم، سيستفيد منه حوالي 3.500 فلاح.
كما اطلع الوزير على مشروع توسيع المدارات السقوية بجماعتي أونانا وسيدي رضوان، على مساحة 5.000 هكتار، لفائدة 7.500 مستفيد، باستثمار يقدر بحوالي مليار درهم، على أن تنطلق أشغاله خلال الفصل الثاني من سنة 2026.
معرض الزيتون وزان… رؤية تتجاوز الحاضر
ما يميز معرض الزيتون وزان هو قدرته على الجمع بين الحاضر والمستقبل، بين الاحتفاء بالمنتوج المحلي واستشراف آفاق تطويره. فالزيتون، الذي شكل عبر قرون جزءا من هوية المنطقة، يتحول اليوم إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة، بفضل الرؤية الاستراتيجية والاستثمار في الإنسان والمعرفة.
ومع اختتام فعاليات هذه الدورة، يظل الرهان قائما على ترجمة النقاشات والتوصيات إلى مشاريع ملموسة، وعلى مواصلة جعل معرض الزيتون وزان فضاءً وطنياً مرجعيا، يساهم في تعزيز إشعاع الزيتون المغربي، ودعم فلاحة أكثر استدامة وعدلاً وابتكارا.







