لم تكن التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفتها مناطق شمال وغرب المملكة مجرد حالة جوية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المنظومة الفلاحية على الصمود. فقد خلفت فيضانات الغرب واللوكوس أضراراً واسعة النطاق مست آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، وأثرت على البنيات التحتية الهيدروفلاحية، كما ألقت بظلالها على نشاط تربية الماشية ومعيشة الأسر القروية.
أمام هذا الوضع، جاء التحرك سريعاً لتفعيل برنامج دعم ومواكبة خاص بالمناطق المتضررة، تنفيذاً للتعليمات الملكية السامية، بهدف إعادة النشاط الفلاحي إلى وتيرته الطبيعية في أقرب الآجال.
تحرك ميداني لتشخيص الخسائر وتسريع التعافي
احتضن مقر المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي للغرب وقطب الجودة للوكوس اجتماعات عمل موسعة جمعت المسؤولين بالمهنيين والغرف الفلاحية. هذه اللقاءات لم تقتصر على عرض المعطيات، بل شكلت منصة لتبادل الرؤى حول أفضل السبل لاستدراك الموسم الفلاحي وتقليص آثار الخسائر.
وقد تم التأكيد خلال هذه الاجتماعات على أن سرعة التدخل تمثل عاملاً حاسماً في إنقاذ الزراعات الربيعية، خصوصاً في ظل حساسية المرحلة الزمنية التي لا تحتمل التأجيل.
أرقام تعكس حجم الأضرار
تشير المعطيات الرسمية إلى أن المساحات المتضررة جراء فيضانات الغرب واللوكوس بلغت حوالي 85 ألف هكتار بسهل الغرب، إضافة إلى نحو 20 ألف هكتار بحوض اللوكوس، ما يعني أن ما مجموعه 105 آلاف هكتار تأثر بشكل مباشر.
وشملت الأضرار زراعات الحبوب، والمحاصيل السكرية، والزراعات العلفية، والخضروات، فضلاً عن الأشجار المثمرة. كما تأثرت المراعي ومخزونات الأعلاف، وسُجلت أضرار في قنوات الري ومحطات الضخ والمسالك الفلاحية.
هذه المؤشرات تكشف حجم التحدي، لكنها في الوقت ذاته تبرز أهمية البرنامج الاستثنائي الذي تم إطلاقه لتدارك الوضع.
برنامج المواكبة.. ثلاثة محاور لإنقاذ الموسم
استند البرنامج المعتمد إلى رؤية شاملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، صُممت لمعالجة مختلف جوانب تداعيات فيضانات الغرب واللوكوس.
- استئناف الزراعات الربيعية
يشكل إنعاش الموسم الربيعي أولوية قصوى لتعويض جزء من الخسائر. ويشمل الدعم الزراعات العلفية والزيتية والقطاني والخضروات والأرز، مع مراعاة خصوصيات كل منطقة.
وقد تم تخصيص دعم لاقتناء البذور والأسمدة، إضافة إلى توفير مواكبة تقنية ميدانية للفلاحين، لضمان استعادة الإنتاج في أقرب وقت ممكن.
- دعم مربي الماشية والحفاظ على القطيع
تضرر قطاع تربية الماشية بشكل ملحوظ نتيجة غمر المراعي وتراجع المخزون العلفي. لذلك، تتواصل عمليات توزيع الشعير والأعلاف المركبة لفائدة الكسابة المتضررين.
كما جرى تعزيز المراقبة الصحية للقطيع عبر تعبئة المصالح البيطرية لتنظيم حملات فحص وعلاج وتدخلات وقائية، بهدف تفادي انتشار الأمراض وضمان استمرار إنتاج الحليب واللحوم.
- إعادة تأهيل البنيات التحتية الهيدروفلاحية
لا يمكن الحديث عن استئناف النشاط الفلاحي دون إعادة تشغيل شبكات الري. ولهذا، تم إطلاق عمليات لإزالة الأوحال وتنظيف قنوات الري والصرف، وإصلاح محطات الضخ، وتأهيل المسالك الفلاحية.
هذه التدخلات التقنية تعد شرطاً أساسياً لضمان عودة المياه إلى الحقول في ظروف ملائمة، وتمكين الفلاحين من استئناف أنشطتهم دون عراقيل.
زيارة ميدانية ورسائل طمأنة
في إطار المتابعة الميدانية، تمت زيارة عدد من الضيعات المتضررة بحوض اللوكوس، حيث تم الاطلاع مباشرة على حجم الأضرار والاستماع إلى انشغالات الفلاحين.
الحضور الميداني حمل رسالة واضحة مفادها أن التعافي لن يكون مجرد وعود، بل مساراً عملياً يواكب الفلاحين خطوة بخطوة إلى حين استعادة التوازن الإنتاجي.
ما بعد الأزمة.. فرصة لإعادة البناء
رغم صعوبة الظرفية، يرى متابعون أن تداعيات فيضانات الغرب واللوكوس قد تشكل فرصة لإعادة تقييم سياسات تدبير المخاطر المناخية، وتعزيز الاستثمار في بنية تحتية أكثر صلابة وقدرة على مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
كما يبرز النقاش حول أهمية تطوير آليات التأمين الفلاحي، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتحديث شبكات تصريف المياه، بما يحد من حجم الخسائر مستقبلاً.
تعبئة متواصلة ورهان على السرعة
تظل المرحلة المقبلة رهينة بسرعة تنفيذ التدخلات وفعالية التنسيق بين مختلف المتدخلين. غير أن المؤشرات الأولية توحي بوجود تعبئة قوية لإعادة الروح إلى الحقول المتضررة.
فالقضية لا تتعلق فقط بأراضٍ غمرتها المياه، بل بأمن غذائي وبتوازن اقتصادي واجتماعي لمناطق تشكل ركيزة أساسية في الإنتاج الفلاحي الوطني.
وبين الأوحال التي خلفتها السيول، والإرادة المعلنة لتجاوز آثار الأزمة، تتشكل اليوم ملامح مرحلة جديدة عنوانها: التعافي السريع والبناء على أسس أكثر متانة بعد فيضانات الغرب واللوكوس.
