يشكل المعرض الدولي للفلاحة بباريس واحدا من أهم المواعيد العالمية في القطاع الزراعي والغذائي، حيث تتحول العاصمة الفرنسية سنويا إلى فضاء مفتوح يعرض أحدث الابتكارات الزراعية وأجود المنتجات المجالية من مختلف دول العالم. وفي دورة 2026، واصل المغرب حضوره القوي داخل هذا الحدث الدولي، مؤكدًا مكانته كشريك فاعل في المشهد الفلاحي العالمي.
تنعقد الدورة الثانية والستون من المعرض خلال الفترة الممتدة من 21 فبراير إلى فاتح مارس 2026، وسط مشاركة واسعة من مهنيين ومنتجين وصناع قرار وباحثين، إضافة إلى مئات الآلاف من الزوار الذين يتوافدون سنويا لاكتشاف جديد القطاع الزراعي وتوجهاته المستقبلية.
حضور مغربي متواصل للسنة الثالثة عشرة
للسنة الثالثة عشرة على التوالي، يسجل المغرب حضوره في المعرض الدولي للفلاحة بباريس، في خطوة تعكس رؤية استراتيجية واضحة لتعزيز إشعاع المنتجات الفلاحية الوطنية داخل الأسواق الأوروبية والدولية.
وقد ترأس وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري، مرفوقا بسفيرة المملكة بفرنسا سميرة سيطايل، الافتتاح الرسمي للجناح المغربي، الذي حمل هذا العام شعارا دالا: «المغرب، قرون من النكهات».
هذا الشعار لم يكن مجرد عبارة ترويجية، بل اختزل مسارا طويلا من التراكم الزراعي والثقافي الذي راكمته المملكة عبر قرون، وجعل من منتجاتها المجالية مرآة حقيقية لهويتها البيئية والحضارية.
جناح مغربي بتوقيع الهوية والأصالة
يمتد الجناح المغربي على مساحة 300 متر مربع، صمم ليمنح الزوار تجربة حسية متكاملة تعكس تنوع وغنى المنتجات المغربية. وقد شاركت في هذه الدورة 30 مجموعة منتجة تمثل 46 تعاونية، تضم أكثر من 740 فلاحا صغيرا، 61% منهم نساء قرويات.
ويبرز هذا المعطى البعد الاجتماعي للمشاركة المغربية في المعرض الدولي للفلاحة بباريس، إذ لا يتعلق الأمر بعرض منتجات فحسب، بل بتسليط الضوء على قصص نجاح لنساء ورجال يعملون في مناطق قروية ويحولون الموارد الطبيعية المحلية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية.
منتجات مجالية تعكس تنوع المغرب البيئي
يحمل الجناح المغربي باقة متنوعة من المنتجات التي أصبحت تحظى باعتراف دولي متزايد، من بينها:
- زيت الأركان
- زعفران تالوين
- تمور المجهول
- زيت الزيتون
- الخروب
- النباتات العطرية والطبية
- التوابل المغربية
هذه المنتجات ليست فقط عناصر غذائية، بل تمثل امتدادًا لنمط عيش تقليدي مستدام يعتمد على التوازن بين الإنسان والطبيعة. ويتيح المعرض الدولي للفلاحة بباريس فرصة مثالية للتعريف بهذه الخصوصية، خاصة في ظل تزايد اهتمام المستهلك الأوروبي بالمنتجات الطبيعية والعضوية ذات المنشأ الموثق.
رهان اقتصادي يتجاوز العرض الظرفي
لا تختزل أهمية المشاركة المغربية في البعد الترويجي، بل تندرج ضمن رؤية استراتيجية متكاملة لتعزيز ولوج المنتجات المجالية إلى الأسواق الدولية. وتنظم هذه المشاركة تحت إشراف وزارة الفلاحة وبدعم من وكالة التنمية الفلاحية، في إطار تنزيل أهداف استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى:
- تحسين دخل صغار الفلاحين
- خلق طبقة وسطى فلاحية جديدة
- تعزيز تنافسية المنتجات المغربية
- تطوير سلاسل القيمة الفلاحية
ومن خلال المعرض الدولي للفلاحة بباريس، يتم فتح قنوات مباشرة للتواصل مع موزعين ومستوردين أوروبيين، ما يعزز فرص الشراكات التجارية طويلة الأمد.
تعاون مغربي فرنسي في أفق أوسع
على هامش فعاليات المعرض، عقد الوزير أحمد البواري لقاء ثنائيا مع نظيرته الفرنسية آني جينيفار، حيث جرى التأكيد على متانة العلاقات الفلاحية بين البلدين.
ويأتي هذا اللقاء في سياق تعزيز اتفاق-إطار تم توقيعه سنة 2024 يشمل المجالين الفلاحي والغابوي، ويهدف إلى توسيع التعاون في مجالات:
- تربية الماشية
- التكوين الفلاحي
- الصحة النباتية والحيوانية
- تدبير المياه الفلاحية
- التعاون بين التنظيمات المهنية
ويعكس هذا الحوار الثنائي أهمية المعرض الدولي للفلاحة بباريس كفضاء للدبلوماسية الاقتصادية، حيث تلتقي المصالح التجارية بالرؤى التنموية المشتركة.
منصة عالمية بأبعاد استراتيجية
يستقطب المعرض سنويا أكثر من 600 ألف زائر، ما يجعله أحد أكبر الأحداث الزراعية في أوروبا. ولا يقتصر الحضور على المستهلكين، بل يشمل أيضا مستثمرين وخبراء ومؤسسات بحثية، مما يحول المعرض إلى مختبر مفتوح لتبادل التجارب واستشراف مستقبل الفلاحة في ظل تحديات التغير المناخي والأمن الغذائي.
وبالنسبة للمغرب، فإن التواجد داخل المعرض الدولي للفلاحة بباريس يندرج ضمن رؤية بعيدة المدى تهدف إلى ترسيخ علامة “صنع في المغرب” كمرجع للجودة والموثوقية.
نحو ترسيخ صورة المغرب كقوة فلاحية صاعدة
تكشف المشاركة المغربية في هذه الدورة أن المملكة لم تعد تكتفي بدور المصدر التقليدي للمواد الأولية، بل تعمل على تثمين منتجاتها وتعزيز قيمتها المضافة عبر سلاسل إنتاج منظمة ومعايير جودة مطابقة للأسواق الدولية.
كما يعكس الحضور النسوي القوي داخل التعاونيات تحولا اجتماعيا مهما في العالم القروي، حيث أصبحت المرأة فاعلًا اقتصاديا رئيسيا داخل المنظومة الفلاحية.
وفي ظل التحديات المناخية والاقتصادية العالمية، يبدو أن الرهان المغربي داخل المعرض الدولي للفلاحة بباريس يتجاوز حدود العرض المؤقت، ليؤكد مسارا استراتيجيا يروم تثبيت موقع المملكة ضمن الفاعلين المؤثرين في الاقتصاد الزراعي الدولي.
