تشهد البيئة في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة تصاعدا ملحوظا في حجم التحديات، مقابل تنامٍ متدرج في الوعي الرسمي والمجتمعي بخطورة المرحلة. فبين تلوث البحار، واتساع رقعة التصحر، وتراجع التنوع الأحيائي، أصبحت القضايا البيئية في صدارة أجندات الحكومات والمؤسسات المدنية، مدفوعة بآثار مباشرة تمس صحة الإنسان والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا السياق، برزت خلال يناير 2026 مجموعة من التحركات البيئية اللافتة في دول عربية عدة، عكست اتجاها متزايدا نحو المعالجة العلمية والتخطيط طويل الأمد، بدل الاكتفاء بالحلول الوقتية. من الكويت إلى العراق، وصولا إلى السعودية، تتقاطع الجهود عند هدف واحد: إنقاذ البيئة قبل فوات الأوان.
الكويت… خطة حكومية لمعالجة التلوث في جون الكويت
في خطوة تعكس إدراكا رسميا لحساسية الوضع البيئي، أقر مجلس الوزراء في الكويت خطة متكاملة لمعالجة الأوضاع البيئية في جون الكويت، أحد أبرز المسطحات البحرية وأكثرها تأثرا بالنشاط البشري.
القرار، الذي استند إلى تقرير حكومي مفصل، شدد على أن التلوث البحري لم يعد مجرد قضية بيئية، بل أصبح تحديا تنمويا وصحيا يستوجب تحركا عاجلا ومنسقا بين الجهات المعنية. وأكد المجلس ضرورة تعزيز الرقابة البيئية، ورفع كفاءة التنسيق المؤسسي، وتوحيد الجهود للحد من مصادر التلوث التي تهدد الحياة البحرية والتوازن البيئي في المنطقة.
كما دعا المجلس إلى الالتزام الصارم بالقوانين البيئية المحلية، والوفاء بالاتفاقيات الإقليمية والدولية التي صادقت عليها الكويت، مع وضع خريطة طريق واضحة لخفض معدلات الملوثات، وحماية البيئة البحرية على المدى المتوسط والبعيد.
ووفق المعطيات الرسمية، ستتولى ست جهات حكومية وعلمية تنفيذ الخطة، من بينها وزارات الأشغال العامة، والكهرباء والماء والطاقة المتجددة، والصحة، بالتنسيق مع الهيئة العامة للبيئة، والهيئة العامة للصناعة، ومعهد الكويت للأبحاث العلمية، في نموذج يعكس تكامل القرار السياسي مع الخبرة العلمية.
الصليبخات… الطيور تكشف صحة البيئة
على المستوى المجتمعي، برزت مبادرة بيئية موازية تؤكد أن البيئة في العالم العربي لا تعتمد فقط على القرارات الحكومية، بل تحتاج إلى مشاركة فاعلة من المجتمع المدني.
ففي منطقة الصليبخات بالكويت، نجحت الجمعية الكويتية لحماية البيئة في رصد أكثر من 1400 طائر مستوطن ومهاجر، ضمن فعالية “اليوم الشتوي العالمي لعد الطيور”، وهي مناسبة بيئية دولية تهدف إلى مراقبة التنوع الأحيائي وتقييم صحة النظم البيئية.
وأكدت رئيسة الجمعية أن هذه الفعالية لا تقتصر على الرصد العلمي فحسب، بل تسهم في نشر الوعي البيئي، وتعزيز ثقافة حماية الطيور والشواطئ، وتقليل النفايات، خصوصًا البلاستيكية، التي تشكل خطرًا مباشرًا على الكائنات الحية.
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية خاصة، إذ تعد الطيور مؤشرا بيئيا حساسا، يعكس مستوى التلوث وجودة الموائل الطبيعية، ما يجعل نتائج الرصد أداة غير مباشرة لتقييم السياسات البيئية ومدى فعاليتها.
العراق… مواجهة التصحر بالتكنولوجيا والزراعة الذكية
في العراق، تتجسد ملامح أخرى من التحديات التي تواجه البيئة في العالم العربي، حيث كشف تراجع الموارد المائية، وانخفاض معدلات الأمطار، عن أزمة بيئية متشابكة تهدد الزراعة والاستقرار السكاني.
وزارة الزراعة العراقية أعلنت عن حزمة مشاريع استراتيجية تهدف إلى الحد من آثار التغيرات المناخية، في مقدمتها مشروع تثبيت الكثبان الرملية، واستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لمراقبة تحركاتها، ورسم خرائط دقيقة لتغير الغطاء النباتي.
وتعتمد هذه المشاريع على تقنيات الري الحديثة، وزراعة النباتات الرعوية المتحملة للجفاف والملوحة، إضافة إلى إكثار أشجار الباولونيا، التي أثبتت فعاليتها كمصدات طبيعية للعواصف الغبارية.
كما شاركت الوزارة في مبادرة وطنية لزراعة خمسة ملايين شجرة، ووفرت ملايين الشتلات المتكيفة مع البيئة المحلية، في محاولة لإعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الهواء، والحد من زحف الصحراء.
وتشير التقديرات إلى أن هذه المشاريع لا تحمل بعدا بيئيا فحسب، بل تمثل استثمارا اقتصاديا واجتماعيا، يسهم في خلق فرص عمل، ودعم المجتمعات الريفية، وتعزيز الأمن الغذائي.
السعودية… إعادة الحبارى الآسيوي إلى البرية
في نموذج متقدم لحماية التنوع الأحيائي، أعلنت السعودية عن إعادة توطين طائر الحبارى الآسيوي داخل محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، في خطوة تعكس تحولًا نوعيًا في إدارة الحياة الفطرية.
وجرى إطلاق 20 طائرا ضمن برنامج علمي دقيق، بالتعاون مع المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية ومؤسسة الأمير محمد بن سلمان للحفاظ على الحبارى، بهدف إنشاء مجموعات برية مستدامة بعد سنوات من التراجع الحاد في أعداد هذا الطائر المصنف ضمن الأنواع المهددة بالانقراض.
ويحمل هذا المشروع دلالات ثقافية وبيئية، إذ ارتبط طائر الحبارى تاريخيا بالتراث العربي، وأصبح اليوم رمزا للتحدي الذي تواجهه البيئة في العالم العربي في الحفاظ على كائناتها الفريدة.
البيئة في العالم العربي… بين التحدي والفرصة
تكشف هذه النماذج المتنوعة أن المنطقة العربية تقف عند مفترق طرق بيئي حاسم. فالتحديات كبيرة، لكن الفرص لا تزال قائمة، خاصة مع تزايد الاعتماد على العلم، والتكنولوجيا، والشراكات المؤسسية، والمشاركة المجتمعية.
إن حماية البيئة لم تعد خيارا، بل ضرورة وجودية تمس مستقبل الأجيال القادمة. ومع استمرار هذه الجهود، يبقى الرهان الحقيقي على الاستدامة، والاستمرارية، والشفافية، لضمان أن تتحول الخطط والمبادرات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي عالم عربي يواجه تغيرا مناخيا متسارعا، قد يكون الاستثمار في البيئة هو الاستثمار الأكثر أمانا للمستقبل.
